الجمعة، 23 أكتوبر، 2015

مقالي عن مورجان فريمان في عدد مجلة 28 الجديد

عنما توجه النجم الأمريكي الشهير مورجان فريمان منذ عدة سنوات  شطر برودواي، العاصمة الأولى للمسرح الأمريكي كان  يحمل في ذهنه هدفا واحدا: تحطيم مورجان فريمان الذي يعرفه الجمهور وأحبه.
ففريمان، الذي بدأ في برودواي عام 1960 في "هاللو دوللي"، قال إنه اكتفى من أداء أدوار الشرطي، والمسئول ذي القلب الرائع، وصوت العقل، والرئبس المحبوب، وغيرها من الأدوار التي ارتبطت باللقب الذي عرف به: "مستر جرافيتاس" وهو لفظ لاتيني مرتبط بكل معاني الجدية والمسئولية والواجب والكرامة، وهو يرى أن ارتباطه بهذه النوعية من الأدوار لفترة طويلة يشكل نوعا من التهديد لقدراته كممثل، الأمر الذي يدفعه لمحاولة  "قتل" مستر جرافيتاس.


هذا الهدف هو ما أعاد فريمان مجددا إلى خشبة المسرح في برودواي في دور هو على النقيض تماما من شخصية "مستر جرافيتاس"، حيث يؤدي شخصية الممثل الذي لا يشعر بالأمان والذي يعيش معاناة طويلة مع زوجته "فرانسيس مكدورماند"، وصراعا مع مشكلات الكحول، وعدم الاستقرار.
وعلى الرغم من شهرته في أعمال شديدة التميز من قبيل "مجد" و"القيادة بالسيدة ديزي" و"طفل المليون دولار" فإن المسرح كان هو البداية التي انطلق منها، ولذا فقد اتجه شرقا من جديد، وهو يقول: "إذا توقفت عن التمثيل على الخشبة فإن ذلك يشكل نوعا ما من التوقف عن التمثيل بجدية، فالأفلام لا تحتاج فعليا إلى نفس القدر من الجدية كما يفعل المسرح."
جوائز عالمية 
وعلى الرغم من تجاوزه السابعة والسبعين من العمر، وفوزه بجائزة "توني" المسرحية عن دوره في "رجال مهذبون عمالقة"، كما فاز بالأوسكار عن "طفل المليون دولار"، و31 جائزة أخرى منها الدب الذهبي في مهرجان برلين، والهرم الذهبي في مهرجان القاهرة، إضافة إلى 27 ترشيحا أخرى، على الرغم من ذلك إلا أن فريمان لا يرغب في الوقوع في أسر النموذج النمطي للأداء أو للشخصية، ويرى أن التجديد ممكن في أي وقت وأي عمر.
قرار مورجان فريمان الجريء "بقتل" مورجان فريمان يضعنا أمام سؤال شديد الأهمية، وهو: كيف ينظر نجومنا العرب إلى فنون الأداء التمثيلية، وكيف يمارسونها من جهة، وكيف يعالجون إشكالية النمطية التي أضحت السمة الغالبة على معظمهم في سياق تجاري محض، تحت دعوى رغبة الجمهور من جهة أخرى؟ 
مشهد قياسي
الإجابة على مثل هذا السؤال على المستوى الأول ربما توغل بعيدا في الزمن، لأستعيد حوارا كان مع النجم اللبناني القدير عبد المجيد مجذوب، والذي استمتعت بسهرة خاصة معه في شيراتون مسقط منذ سنوات، حيث تحدث عن أهمية تدريبات الصوت في الأداء التمثيلي، وقال حرفيا: "إن الممثل القدير هو الذي يرى نفسه بعين المخرج والكاميرا والجمهور، ويبحث عن التخلى عن الأنماط والنماذج السائدة ليبدع أسلوبه وشخصيته".
وأكد مجذوب وقتها أن بعد اللقطة وعمقها لا بد وأن يوضع في حسبان الممثل على مستوى عمق الصوت، والتعبير، مضيفا أن الممثل عليه أن يبحث عن وسائل تعبيرية أخرى عدا تعبيرات الوجه، واقترح العودة لتدريب الممثل باستخدام الأقنعة الصامتة التي تضع الممثل أمام حاجة فعلية لتقديم وسائل تعبيرية أخرى عدا تقطيب العينين والابتسام وحركة الفك وغيرها، أي أن يتحول التعبير التمثيلي من الوجه إلى الجسد.
وقدم عبد المجيد مجذوب تجربة أداء قياسية أمامي وهو يتخيل مشهد دخول العذراء مريم – عليها السلام – على بني إسرائيل وهي تحمل المسيح عليه السلام، حيث أدى مجذوب دور كبير من بني إسرائيل وحمّل صوته دلالات الغضب والدهشة، كما حمله دلالات وأبعاد اللقطات من بعيدة إلى متوطة إلى قريبة وقريبة جدا مع تخيل اقتراب السيدة مريم في المشهد، وكانت التجربة رائعة. 
فيلم روسي
 أما الفنان الأردني الشهير رشيد ملحس – الذي قدم شخصية امرئ القيس في مسلسل حمل اسمه، كما أبدع في أدائه لشخصية الخليفة المأمون منذ أعوام– فقد أكد أنه منتبه لأهمية تدريبات الممثل ودراسة الشخصية، مشيرا لأنه يحسب نفسه على مدرسة ستانسلافسكي في فن الممثل.
وحكى رشيد ملحس أنه خلال دراسته للتمثيل في روسيا شاهد فيلما روسيا عن الحرب الروسية الأفغانية من وجهة نظر المواطن الروسي الذي لم تكن له في الحرب ناقة أو جمل، حيث كان هناك مشهد رائع يمثل قادة عسكريين يحملون الأوسمة ومهمتهم إبلاغ أسرة روسية عادية بمصرع ابنهم الوحيد في المعركة.
ويقول رشيد ملحس: "كان المشهد يظهر الأم وهي تغسل الصحون حيث تقوم بوضعها في إناء به ماء يغلي وترفعه مباشرة، وفي تلك اللحظة يدق الباب ويفتح الزوج/ الأب، ويظهر القادة بالباب، مما تفهم معه الأم أن ابنها قد مات، وهنا لا تنوح المرأة أو تولول، كما قد تفعل أي ممثلة في تقديمها للمشهد، وإنما كل ما هناك أنها تضع الصحن الذي في يدها في حوض الماء المغلي، وتضع يدها بأكملها في الماء، دون انتباه لسخونة الماء أو الألم اشديد الذي تشعر به، في مقابل ألمها الداخلي الذي تفجر كاملا في تلك اللحظة".
مثل هذا الأداء – يضيف رشيد ملحس – هو ما يحتاج ممثلونا إلى دراسته والانتباه له، لا أن نظل أسرى لأنماط أدائية ثابتة ومقولبة. 
قصة مع الخنساء
أما النجمة السورية منى واصف فقد شددت على أهمية دراسة الشخصية وإخراجها من حالة التنميط الذهني إلى أفق أكثر بعدا، أفق إنساني عام، وتضرب مثالا على ذلك بأدائها لدور الشاعرة العربية الكبيرة تماضر بنت عمرو "الخنساء" حيث تقول إن الخنساء تجسدت لها في صورة أقرب ما تكون للحياة، بل ووجهت أدائها لبعض المشاهد، واقترحت عليها حذف مشهد ظهرت فيه الخنساء في أواخر عمرها.
وبعيدا عن حدود التوهم أو التخاطر في تلك القصة إلا أن منى واصف ترى أن ذلك لم يكن ليحدث لولا عكوفها لشهور على دراسة الشخصية وقراءة تاريخها وحواراتها وردود أفعالها وتصرفاتها في مختلف الظروف، حتى في التفاصيل غير المرتبطة مباشرة بأبعاد النص الذي ستؤديه. 
الممثل والمخرج
وعلى الرغم من جدارة وأهمية الآراء التي عرضناها هنا إلا أنه باستثناء أعداد قليلة جدا من الممثلين فإننا لا نرى حضورا لنجوم يملكون جرأة مورجان فريمان، باستثناء أسماء عملاقة من قبيل محمود المليجي ومحمود مرسي وأحمد زكي وغيرهم، وإن كان نجاح الأمر مرتبط بوجود المخرج المنتبه والذي يعرف تماما كيف يوجه ممثله، والمثال الواضح هنا هو التباين الواضح في أداء أحمد زكي في أفلام "اضحك الصورة تطلع حلوة" مع شريف عرفة، و"هستيريا" مع عادل أديب، و"أيام السادات" مع محمد خان، فإذا تذكرنا أن خان قد اشتكى لدى نقابة المهن السينمائية من تدخلات زكي المستمرة في تنفيذ "أيام السادات" لأدركنا تماما لماذا راوح زكي في أدائه ما بين فنون التقمص والتقليد والتمثيل بصورة غير منظمة ولا منهجية في العمل بعكس حاله في الفيلمين الأولين، والذين فاز عنهما زكي بجائزة أحسن ممثل في بينالي السينما العربية في معهد العالم العربي بباريس عام 1998. 
نمطية واضحة
أما على المستوى الثاني فإن نظرة عامة إلى ممثلينا العرب وتاريخ أعمالهم سيجعلنا نخرج بنتيجة عامة – مع بعض الاستثناءات المحدودة – أنهم جميعا يسقطون في فخ النمطية وإرضاء الجمهور، سواء في منطلقات أو قيم الشخصيات التي يقدمونها، وأذكر هنا حديثا مع النجم محمود عبد العزيز اتهمته فيه بذلك الأمر الذي أثار حفيظته، وكنت أرى في شخصيته في "الساحر" أو في "هارمونيكا" المنطلقات التي تحكم معظم الشخصيات التي قدمها في تاريخه الفني، بعيدا عن شخصية الشاب الوسيم التي لعبها في الستينات والسبعينات.
بل والأخطر هو السقوط في نمطية الشخصية ذاتها لا منطلقات وقيم الشخصية، فهناك شرير الشاشة "المليجي وفريد شوقي"، وطيبها"حسين رياض"، ورجلها المهذب "سليمان نجيب" وشريرها اللطيف "عادل أدهم واستيفان روستي" والأم الحنون "فردوس محمد وأمينة رزق" وهكذا.

هناك تعليقان (2):

  1. مقال رائع
    وف سياج التطور والتمرد ع الشخصية نستطيع أن نشير إلى العملاق زكى رستم والذى كان يجيد أدوار الشر حين استطاع أن يكسر هذا الطوق ويمثل دور الأب الحنون ف فيلم انا وبناتى أو أبو البنات ....كما نضرب مثلا بالاب الحنون العطوف جدا حسين رياض حينما كسر هذا النمط ومثل دور الشرير ف فيلم هو أدهم الشرقاوى أو بهية أن لم تخنى الذاكرة .... وكما كانا العملاقان ف ادوارهما الثابتة رائعين فقد تميزا جدا ف أدوار كسر النمط .....
    أما ف أدوار حواء فقد لعبت مريم فخر الدين موناليزا مصر أدوار الجمال والرقة والعذوبة والعفة وتخصصت فيها غير أنها كانت صادمة ببراعة حينما لعبت دور السيدة اللعوب المنحطة الخائنة وقد أجادته جدا ف فيلم ببطولة الرائع أحمد مظهر .....
    تحياتى يا كاتبنا المحترم لهذا المقال الذى يلقى الضوء ع التميز والاقتدار.....

    ردحذف